الجمعة

كنكوصه في الذاكرة ...


كثيرا ما يتحدث الفنانون وخاصة الكتاب عن المدن التي أحبوها كما  يتحدثون عن النساء . ومع أني لا أحب عادة تكرار ما يفعله او يقوله الآخرون , إلا أنني انا أيضا و رغم المحاولة لم استطع أن أفكر في كنكوصة أو أتحدث عنها إلا كامرأة . وفي الحقيقة أنا لا أعرف كيف أتحدث عنها , أعرف أن أحبها ! و أظن أن جميع من عرفوا هذه المدينة محكوم عليهم أن يقعوا في غرامها ..
تفاجئك و هي مستلقية كاحدى  فاتنات الرسام الاسباني غويا على سرير غامق و هي  تهب البحيرة كامل أنوثتها في حين ينتصب السيف من وراء ظهرها مهيبا وقورا كأنما يحمي شرفها وكأنك تسمع من خلفه طبول أولاد امبارك وهي تقرع للنفير أو سنابك خيولهم المغيرة فتتذكر المتنبي :
سوائر ربما سارت هوادجهـــــا        منيعة بين مطعون ومضـــــروب
و ربما وخدت ايدي المطي بها         على نجيع من الفرسان مصبوب
ترسو بك السيارة و لو لبرهة – تلك محطة لابد منها – في مركز المدينة في الكاراج أو نقطة ساخنة, كما اصبحوا  يسمونها  هناك.
تصطف على جانبي الطريق العرائش  المعدة لاستقبال المسافرين الموغلين إلى الجنوب .. ول ينجه , سيلبابي , او المتجهين الى كيفة او انواكشوط عبر كيفة .. تسمع اصوات متعددة بلغات من كل لون وبكل نبرة .. هل انت في بابل ؟! ربما تذكرت هذ المرة قول بشار :
وحديث كأنه قطع الرو      ض فمنه الصفراء و الحمراء
هناك الناس اقرب الى بعضها و الحميمية اكبر .. تغريك حرارة التحايا أو ربما رائحة الشواء  بأخذ استراحة , تتناول مشروبا باردا منعشا بعد تعب الرحلة خاصة اذا كان الجو حارا . تستمع الى الاحاديث من حولك فتعرف اخبار الشمال و اخبار الجنوب و آخر القصص المثيرة و أنت تحتسي كؤوس الشاي ربما أمكنك أيضا أن تتخذ مقعدك أمام إحدى البقالات – خاصة إذاكنت تسافر وحدك – و عندها يمكن أن تأخذ فكرة عن المدينة , هذا إذا لم يكن صاحب المحل أو صاحبته اكثر فضولا بحيث يأخذ في اسجتوابك و التعرف على ما وراءك خاصة إذاكنت قادما من انواكشوط كما هو الاغلب .. كل هذا طبعا إذا لم يكن أحدهم بانتظارك ليقتادك الى دفء ضيافة أحد البيوت , مع أنه حتى و إن لم يكن مضيف بانتظارك فباستطاعتك حتما أن تجده فتقاليد الضيافة ما تزال راسخة و القرابات من كل لون ما تزال طازجة .
مع القليل من الوقت تأنس الى المدينة , تتغلب على رهبة الجديد وتبدأ في الاستمتاع بالتعرف على المعالم الكبيرة البحيرة , السيف , ليفاك , الحاشية , المكطع .. وتبدأ التفاصيل الصغيرة تنضاف إلى بعضها و مهما طالت بك رحلة الاستكشاف سيكون هناك دائما ما يمكن استكشافه في الرحلة القادمة !
لم تكن إقامتي في كنكوصة عابرة بل استمرت سبع سنوات كان لكل منها طعمها الخاص , سبع سنوات لم يتسلل الملل فيها الى حبي مع اني كما يقولون لم اعرفها بكامل زينتها فقد كنت اتركها مع بداية بشائر الخريف لاعود اليها بعد ان ودعها . لكن سحرها كان يغويني كل مرة كأن لها فتنة الكاعب و خبرة النصف التي لا تنضب .. و لفتنتها اكثر من وجه و اكثر من محل . ربما البحيرة هي الابهر حضورا او كما يقال ملكة السرب .. تشق المدينة فتقسمها شطرين (حاشيتين ) متثنية  كثعبان مقدس يهب الحياة مع انه قد يستردها احيانا .. ثعبان لايهب كل اسراره حتى لصمنات مع أنه يغذي بأصناف الحكايات المخيلات على ضفتيه , فهو مثلا يحتاج الى ضحية كل سنة فكأنه يعيد الحياة أيضا إلى أساطير الخصوبة في النيل و ضحاياه العذراوات ! ستتذكر دائما أصائله الذهبية و الشمس تطارحه الغرام بأشعتها الحانية ثم يغلبها الخجل في النهاية أمام كل تلك العيون  فتتوارى وراء البواسق في اقصى الغرب . في أيام الأعياد خاصة يختلط كل ذلك بمهرجان الألوان و الأصوات تحف بالبحيرة كما يحف المشجعون براقص الحلبة ! يكون بإمكانك حينها أن تتبادل الهمس مع مناظرك على الشاطئ الآخر و أن تعابثه ! .
في الليالي المقمرة خاصة كنت أهوى الجلوس على الشاطئ مع أنهم حذروني ان البحيرة في الليل تتحول إلى ملعب للجن .. ورغم أني للأسف لم أصادف أبدا جنية البحر , إلا أنني استعضت عن ذلك بالإستمتاع هناك بما يمكن أن أسميه الصمت الأصلي الأولي , صمت البداية حيث الماء و السماء فقط و حيث يطل القمر ليتأمل نفسه بنرجسية .. أحيانا كان يفاجأ خلوة العابد تلك احد العابرين المتأخرين , ينظر إلي , ربما حيى و ربما سأل .. ثم يشرع في النداء على أصحاب القوارب في الضفة الأخرى , وقد يكون بيده مولد نور صغير يلوح به في اتجاههم . بعد انتظار يقترب القارب  و هو يخضخض بتثاقل .. و بتثاقل يركنه النوتي منتظرا صعودنا  .. ينظر إلي حين لا يراني أهم بالركوب بخيبة صغيرة وببعض الإستغراب لا شك أن الراكب المتلهف لإشباع انتظار على الحاشية الأخرى يشاركه فيه . ثم يبتعد القارب باتجاه الشاطئ الآخر و أعود إلى سكينتي .. و وحي الماء ! . في الليالي غير المقمرة تتخلل الظلام المحيط كرات ضوء الحباحب الصغيرة المتطايرة هنا وهناك فتحدس أن هناك احتفالامن نوع ما داخل البحيرة وحولها .
          مرة في احدى خلواتي هناك طلعت علي ربما من الشاطئ الآخر او ربما من داخل البحيرة نفسها موسيقى من نوع غريب , هل أقول علوية ؟ إنها من ذلك الذي تحس معه أن السماء تقترب أكثر فأكثر من الأرض , و أن آذانك تتفتح على جسور بكر تنفث منها مسام إلى كل مسام جسدك و روحك .. فتحس بنداء بعيد سام غني بنكهة لا تستطيع أن تسميها , و بعوالم سحرية قصية .. لقد كانت موسيقى بولارية على الأرجح .
أية أفكار لم تراودني هناك عن العالم الأول .. هنا كانت البداية : الماء والطين ! . قد يداعبك الحنين إلى الأعماق على طريقة السياب أو جاك لندن , فتتخيل ذلك التمساح المهيب الجميل الذي حدثوك عنه وهو ينصب  أمامك فجأة رأسه الضخم و فكيه الفتاكين  والماء يتقاطر منهما .. وتتبادلان تحية صامتة وتقرران الذهاب معا إلى الأعماق .. و لأنه الأقدر تتركه يتولى المهمة بهدوء .. و بذلك يمكنك أن تتابع كل أصيل من الأعماق رحلة الصمناوي إذ ينتصب واقفا على الماء كساحر االسيرك مستقلا  لوحين خشبيين  مشدودين إلى بعضهما البعض وكأنه على بساط ريح و هو يتفقد شباكه الممدود .
في الثانوية كنت أحظى برفقة طاقم رائع بصورة استثنائية . و كان علينا أن نعلم تلاميذ رائعين في الحقيقة رغم أننا لم نكن ميالين إلى الاعتراف بذلك في كثير من الأحيان ! ربما حبا فيهم كنا نريدهم أفضل دائما . أنا شخصيا- و لم أكن أبدا أستاذا جيدا - تعلمت منهم أكثر مما علمتهم و مع ذلك منحوني بسخاء كل ثقتهم  و احترامهم  , حتى حين كانت تجدب أفكاري كانوا ينتظرون .. و يتسامحون , وحين أنظر في عيونهم حينها كنت أقرأ أفكارا جميلة و جديدة فينطلق لساني بأشياء لم أكن أتخيلها , فيحتفلون بي و يعظمون أفكاري مع أنها في الحقيقة أفكارهم فعل التلاميذ البررة . كم كانوا رائعين حقا وكم كنت شخصيا بخيلا عليهم بما يستحقون ! . 
عنصر آخر كان يصنع فرحا يوميا في الثانوية : عالي . كنا نتحلق حوله في استراحة العاشرة لتناول الشاي و تبادل الأحاديث و الضحك ! . كان البعض يحرص على أن لا تفوته حلقة الشاي هذه حتى و لو لم يكن لديه ما يعمله في الثانوية ذلك اليوم , و في تلك الحالة تطول الجلسة وتكون أمتع .. ورغم أن الأحاديث قد تكون أحيانا جادة كالحديث السياسي مثلا فإن وجود عالي له تأثير ملطف . وفي الحقيقة كانت هناك دائما حلقة خاصة- تضيق أو تتسع لتشمل الجميع أحيانا – لم تكن تأبه للأحاديث الجادة و إنما كانت تتفرغ للسيد عالي  وأقاصيصه و نكته وضحكاته . هناك على وجه الخصوص من هم أمهر في معابثته و إثارته . و عالي  يعرف كل القصص وكل الأسرار البريئة وغير البريئة .. و هو شاهد على كل حدث ! و يعرف عالي أن عليه أن يضحك الجميع و هي مهمة يضطلع بها بصبر واقتدار و نكران للذات إذ كثيرا ما كان يتندر على نفسه وخاصة على جبنه الأسطوري ! و في وسط الأحاديث والضحكات يرتفع صوت من أطراف الحلقة معلقا على الكأس التي مازال يحتسي : عالي زد النعناع وقلل من الشم (السعوط) ! وترتفع الضحكات وفي مقدمتها ضحكة عالي المرحة الماكرة والمعدية في نفس الوقت و التي تفرض  سلطان المرح على الجميع و حتى على غير المرحين بطبيعتهم , تلك الضحكة التي اعتبر البعض أنها تساوي مليون دولار ! و الحق أنها حلت من المشاكل أكثر مما يحل هذا المبلغ حتى وإن كان هذا المبلغ يعني الكثير في دنيانا غير المترفة ! . سألوه مرة ماذا لو أعطوه هذا المبلغ و أفهموه أنه كبير جدا.  أجاب بعد تفكير قليل بأنه سيشتري سيارة لاندروفير قديمة لكي يتمكن من تحميلها على مزاجه من الحطب إلى منزله في الضواحي ! .
عالي  و البحيرة وجهان من الأوجه الجميلة التي افتقدت برحيلى من تلك المدينة , لكنهما  مجرد وجهان من أوجه كثيرة . عندما كنت  أتسنم السيف في أصيل يوم مثل ذلك الذي وصف  عمر بن أبي ربيعة :
بدماث سهلة زينها       يوم غيم لم يخالطه قتر
كنت أنظر إلى المدينة من عل وهي تتبرج في ملحفتها الخضراء .. و كنت أعرف عندها أن علي  يوما ما أن أترك هذه الجنة كما ترك كل آدم جنته ! .

أ.أ.ل. استاذ سابق في ثانوية كنكوصه 
     


12 التعليقات:

Entrümpelung wien يقول...

شكرا على الموضوع ..))

Entrümpelung يقول...

شكراع ع الموضوع

Wohnungsräumung يقول...

موضوع ممتاز جدا شكرا لكم

Umzug Wien يقول...

موضوع ممتاز جدا شكرا لكم

Firmenumzug Wien يقول...

Thank you for your topic and great effort

entrümpelung يقول...

شكرا ع الموضوع

Wohnungsräumung Wien يقول...

شكرا لكم ..دائما موفقين..))


Wohnungsräumung
Wohnungsräumung Wien

entrümpelung wien يقول...

موضوع ممتاز جدا
entrümpelung-entrümpelung
entrümpelung wien

wohnungsräumung يقول...

موضوع ممتاز جدااً....ونتمني لكم التوفيق الدائم
umzug-umzug
wohnungsräumung wien

Entruempelung wien يقول...

ممتاز ... ممتاز .. ممتاز جدااً
Entruempelung
Entruempelung wien
Wohnungsraeumung

ماكينات طباعة يقول...

اتمنى لكم المزيد من التمييز ... وعرض جديدكم 
ماكينات طباعة
مقص ورق
مقص بولر-طوايه
ماكينه طباعه ريوبى

luxusumzug يقول...

موضوع ممتاز .. بالتوفيق
ماكينات الطباعة
خطوط انتاج ورق الكمبيوتر
ماكينات الطباعة gto
drent gazelle

بلدان الزوار

free counters

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م