السبت

محرقة الرياض ... قراءة في أربع مقالات / بقلم الأستاذ : مصطفى /ولد محفوظ أببكر .



لقد ترددت كثيرا في الكتابة حول هذا الموضوع " موضوع محرقة الكتب "  وآثرت في بداية الأمر أن أتابع بكل شغف واندفاع مجمل الكتابات حوله وأن أقف منها موقف المتفرج ، لكن وبعد قراءتي للــعديد مـن تلك المقالات والكتابات بما فيــــــها بيان اعتذار حركة " إيرا " بدأت تدريجيا أتخلى عن ذالك الــرأي وأقـــــرر الكـــــــــــتابة في الموضوع ذالك لأن تلك المقالات شكلت بالنسبة لي مثيرا يستدعي الإستــــــجابة له وإن   بطريقة مختلفة، ولذالك فسأحاول في هذه العجالة أن يكون هذاالمقال قراءة تحليلة فاحصة في أربع مقالات هي أبرز ما وقفت عليه في هذا الصدد ، وتهدف هذه القراءة  بالأساس إلى  إجلاء بعض الغموض عن جوانب من ما ورد في مضمون تلك المــــــــقالات  والرد على بعض الأفكار المغلوطة والخطيرة في نظري على مستقبل الأمن والسلم الاجتماعيين  في بلدنا ، ومن ثم محاولة الخروج بخلاصة شاملة واضحة ومنقحة من مجمل تلك المقالات ترمي إلى وضع القطار على السكة حتى لاتكون أقوالنا مجرد جعــــــجة بلا طحين ، وأعني بالمقلات الأربع إذا جاز التعبير : مقال السيد : محمد ولد الحسن ، والسيد : الشنقيطي : " قصة العبودية في كتب الفقه المالكي " ، والسيد جمال ولد عبدالله ، وبيان حركة " إيرا "  ( الإعتذاري ) .
لقد تأرجحت هذه الكتابات إذن بين ثلاث مستويات رئيسة هي: أولا الذهــــــاب إلى الحفر في أعماق التراث الإسلامي بحثا عن التأصيل لظاهرة العبودية والموقف الشرعي منها وكيف تعاطى أسلافنا معها سلبا وإيجابا ، ثانيا  الدعوة إلى الإنزلاق الخطير والاندفاع بقوة إلى قاع العنصرية والتصعيد المقيت بكل مجاهرة ودون مواربة ، بينما برز بين هذا وذاك خط ثالث نحى منحى  الدعوة إلى التعقل والمصالحة الفكرية والتاريخية مع ما أثاره من أفكار مريبة تستدعي التوقف عندها ،  وسنقدم أمثلة على كل هذه التوجهات والآراء من المقالات المـــــشار إليها مع التحليل والتوضيح قدر المستطاع .
إذا عدنا إلى التصنيف الأولي السابق لهذه المقالات رأينا أنه يمكننا أن نضع مقالة السيد الشنقيطي ضمن المستوى الأول حيث ذهب الشنقيطي في مقاله إلى غربلة التراث الإسلامي وسبر أغواره بحثا عن أساس ظاهرة العبودية في الشريعة الإسلامية  أو في " كتب الفقه المالكي كما يقول " وقد قال في الصدد كلاما عجيبا نفيسا وساق آراء جليلة القدر والمكانة لعلماء وباحثين كبارا من أمثال أحمد باب التيمبكتي ، وآراء المؤرخ أحمد بن خالد بن محمد الناصري  وغيرهم من الباحثين ، وعرض خلال  ذالك لكل ملابسات القضية وحيثياتها من أسباب الظاهرة ، وانتشارها تاريخيا في منطقة شمال وعرب إفريقيا وبين ضعف الأساس الفقهي حسب نظره - وهو مثار جدل بين الفقهاء والعلماء -  وكيف تخلصت دول إفريقية مسلمة من هذه الظاهرة ...، وخاض في كل ذالك بما فيه الكفاية حقا ، ولكن كل هذا الكلام يجعلنا  بحق أمام  سؤال مطروح بإلحاح وأمامه أكثر من علامة استفهام وهو : هل كان الشنقيطي هنا بصدد إثارة نقاش قديم جديد حول    أصل ظاهرة العبودية وتأكيد نفيها شرعا ، أم كان بصدد تجريم القائلين بوجودها والمؤمنين بها كـــــــــواقع شرعي له أحكامه وخصوصيته في الشرع من كبار فقهاء المذهب المالكي وغيرهم ، ومن هنا يسلك الحديث منحى آخر ويدخل الموضوع برمته في نفق مظلم لاتتضح الرؤية في مجاله ، والرجل هنا لابد أن يختار أحد الأمرين وعندها سيكون بين خيارين أحلاهما مر ! لأنه إما أ ن يكون مجرد باحث عن أصل ظاهرة العبودية ومجتر للنقاش الفقهي القديم حولها أو حول ماهو موجود منها فقط ، وبـــــــذالك يصبح أبعد مــــا يكون عن ملامسة صلب الموضوع ويضع إصبعه في غير مكان الوجع لأن سياق الحديث عن الموضوع هو ملابسات محرقة الرياض وما انجر عنها ويجب أن ينطلق من الأسباب والمبررات التي ساقها أصحاب تلك الفــــــعلة  البشعة النكراء !! ، وهي أسباب تصب في مجملها إلى الإعتراض على إقرار مبدإ العبــــــــودية شرعا لاعلى وجودها في موريتانيا أو إفريقيا أو أي مكان آخر ... لأنهم عندما ينعتون كتب الفقه المالكي بأنها كتب نخاسة لمجرد أنها تذكر أحكام العبد في الشريعة مثل جواز وطء السيد لأمته دون عقد نكاح وهذا لعمري ثابت بنص القرآن الكريم في قول الله تعالى : ((والذين هم  لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم... ))  فإنهم لم يعودوا يخالفون اجتهادات أصحاب الفقه المالكي وإنما يعترضون بصراحة على حكم الله في عباده وهو العدل الذي ليس بعده عدل !!، ومن هنا فإن البحث في أصل وجود هذه الظاهرة في مكان دون آخر وفي الأساس الفقهي الذي قامت عليه لايناسب المقام هنا و بعيدا كل البعد عن لب الحقيقة وموطن الوجع على أهميته العلمية ونفاسته، وإما أن يكون الرجل قد انخدع بما يروجه هؤلاء واعتقد أن أصحاب كتب الفقه المالكي قد أخطأوا في نصوصهم الموجودة في الكتب المحروقة والتي تبين فقط الأحكام المتعلقة بهذا الصنف من العباد ومن ثم فهم ضالعون في تبديل أو تحريف شرع الله سبحانه وتعالى وهو جرم مابعده جرم فعليه أن يراجع نفسه في ذالك ويعلم أن الأمر ليس مجرد بحث في موضوع العبودية في موريتانيا أو غيرها من دول غرب وشمال  إفريقيا لأن ذالك أمر مفروغ منه ولم يعد له أي أثر على صعيد الواقع ويتفق الجميع على ضعف أساسه الفقهي ، ولكن ذالك لعمري ليس مربض الفرس !!. 
أما المستوى الثاني الذي انحرف نحوه قطار الحديث في هذا الموضوع عن السكة هو الإنزلاق المميت إلى العنصرية والشوفينية ، فأبرز ما يمثله من تلك المقالات مقال السيد : جمال ولد عبد الله فهو مقال نفيس في شكله خطير في مضمونه ، حيث دعى فيه الرجل بكل صراحة إ لى العنصرية ودلف إليها من بابها الواسع رغم محاولته خلع عباءتها من على جسده وإلباسها لمجتمع البيظان كما يقول ، فقد حرض وألب ودعى إليها وعمل على تأجيج مشاعر الطرفين لكن الله سلم ، وحاول في هذا الصدد أن يزج بقامات سامقة معروفة بالإعتدال والتوازن في هذاالإ طار مثل مسعود ولد بلخير ، والساموري ، وتقول عليهم بما لم يسمع منهم ومالم يرد في بياناتهم الرسمية !،
كما يعتبر بيان حركة " إيرا " الذي تقول إنه بيان ( اعتذار ) منغمسا إلى حد بعيد في هذاالإتجاه والطرح العنصري ولاغرابة في ذالك لأن الحركة معروفة في كل تصرفاتها وطموحاتها بمحاولة جرمجتمعنا إلى هذا  المستوى الخطير حتى أنها لم تكتف بشيء مما فعلته إلى أن وصلت إلى محاولةالتفريق بين طبقات المجتمع وتفكيكه عقديا واجتماعيا بمحاولة جعل شريحة " لحراطين " من أصول زنجية وإقامتها في جبــهة مقابلة لمجتمع البيظان وغير ذالك مما لا يخفى ولاينطلي على أحد ، ولن يجني منه الجميع سوى  الغرق وفقد الأمن والسلم .
 و أما المستوى الثالث من مستويات الخطاب والكلام حول هذاالموضوع فهو المستوى الذي اختار أصحابه منهج التعقل والدعوة إلى المصالحة الفكرية والتاريخية ، وهو أكثر هذه المواقف اعتدالا وموضوعية ، وأبرز ما يمثله مقال السيد: محمد ولد الحسن : " من يتحمل جريرة محرقة الرياض " حيث دعى الرجل إلى تحكيم العقول ونبذ العاطفة في هذا النوع من القضايا الشائكة والحساسة ! ، ودعى أصحاب المحرقة إلى مقارعة الحجة بالحجة وهو أسلوب حضري كان أولى وأحري من الأسلوب التتري الهمجي الذي استخدمه هؤلاء ، كما يدل على مدى العجز والقصور عن التعاطي الإيجابي مع القضايا الفكرية بما يضمن تقدمها وإثراءها بما هو مفيد ، إلا أن صاحب هذاالمقال قد أثار نقاطا مريبة فيما يتعلق بربط موضوع المحرقة بحزب تواصل وأنهم على علم بما سيكون من أمر المحرقة قبل حدوثها ومن مؤازرتهم لفعلة برام الأمر الذي يجعلهم جميعا في بوتقة واحدة مالم يخرج علينا التواصليون ليؤكدوا أو ينفوا هذاالإتهام ويحتم على صاحب المقال أن تكون لديه أدلة ملموسة وكافية لإثبات هذه التهمة والشعب الموريتاني له كامل الحق في أن يعرف من تآمر على أربعة عشر قرنا من تاريخه الديني والثقافي وحاول في هدأة ليل دامس أن يمسح ذالك التاريخ المجيد العريض بجرة قلم ، ورغم كوني أتعاطف مع حزب تواصل إلا إنني مع ذالك لا أحب الإلتفاف على المصلحة العليا للبلاد والعباد أيا كان الدافع السياسي لذالك ، خصوصا وأني لا أتفق معهم في  الكثير  من المواقف والقرارات  الأخيرة التي انتهجها الحزب خصوصا فيما يتعلق بالدعوة إلى إسقاط النظام ولأسباب جد ضبابية وهم خير من يدرك أن الدعوة إلى إسقاط النظام والخروج على إمام المسلمين هو آخر ما تعطي فيه الشريعة الإسلامية السمحة الضوء الأخضر!
وأخيرا فإني أشد على يديك أيها الأخ الحسن ولد محمد فيما دعوت إليه وأدعو بدعوتك إلى ميثاق شرف بين كل شرائح وفئات هذاالمجتمع المسلم الخير والنبيل وعلى وجه الخصوص بين أبناء شريحتي : " البيظان " و" لحراطين " ميثاقا نتعاهد فيه على تجاوز الماضي بقضه وقضيضه وعلى أن لا يحمل بعضنا بعضا مسؤولية ماوقع فيه الأجداد ، فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها مااكتسبت ، وإلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لانعبد إلا الله ولانشرك به شيئا ...

0 التعليقات:

بلدان الزوار

free counters

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م