الأربعاء

اوهام المعارضة في بلادنا ... بقلم : يحي ولد البيضاوي .


مصطلح المعارضة مصطلح حديث، تعود جذوره إلى عصور ازدهار الديمقراطيات الغربية، ولم يكن لهذه اللفظة مدلول  يذكر في ثقافتنا العربية والإسلامية، بل إن الألفاظ المستخدمة في المعاني القريبة من دلالة هذا المصطلح والتي  تشير إلى مناوأة الحاكم ظلت تُبوَّبُ تحت عنوان الخروج والتمرد على طاعة أولي الأمر، وعندما اضطرت شعوبنا إلى الأخذ بالنظم الديمقراطية،  كانت نظرتنا إلى المعارضة متخلّفة؛ حيث اعتبرناها أسلوبا لإدالة الدول وانتزاع الكراسي، ولم يكن للمصلحة الوطنية، ومعاني النضال من أجل البناء والتقدم، فيها أي اعتبار يذكر. وتَعَاطِينا مع هذا المصطلح لا يختلف في كثيرٍ عن تعاطينا مع غيره من المصطلحات الأخرى الوافدة علينا  فعند ما تم استجلاب مصطلح النقد ـ مثلا ـ أسقطنا عليه معاني التجريح أو (العيب) حسب مدلوله في لهجتنا المحلية، فلم تتجاوز أنساقنا النقدية،في غالب أحوالنا، إلى الفكرة من أجل إظهار محاسنها، وكشف مواطن الخلل فيها، بل كانت تتوجه إلى صاحب الفكرة نفسه،  وكأننا نمارس امتدادا لما ألِفناه في أوساطنا البدوية، من سبّ وشتم. ونفس الشيء يقال عن التمثيل حيث ظل ينظر إليه على أنه نوع من المحاكاة، لا غير.  وهكذا كان مدلول المعارضة في قاموسنا السياسي العربي قد شذ عن مقاصده وطوّحت به السبل بعيدا عن مراميه الأولى، ولم تخرج المعارضة في بلادنا عن هذا الفهم بل  نصيبها منه يُقدر بالقَدر الذي تنوء به ثقافتنا من  بداوة وانجذاب نحو الواقع القبلي والجهوي المتخلف، فكانت غوغاءً وكلامًا سطحيًا ينحُو نحوَ خَلق المشاكل، وافتعال الأزمات، وزيادة بؤر التوتر، بدل المشاركة الفعالة من أجل تطوير الممارسة السياسية وتبييت فُهوم العمل  المشترك، خدمة للسلم وسعيا إلى الاستقرار؛ وآية ذلك أن المعارضة لدينا لم تكن معارضة للبرامج، بل هي معارضة لأشخاص بعينهم، فكم صُنّفت جهات تحت لا فتة المعارضة أيام الحملات الانتخابية، لكنها لم تلبث أن انتقلت إلى من كانت تعارضه ثم ارتكست عنه عندما لم يحقق مآربها كحال كثير من معارضتنا اليوم، وهو دليل على أنها معارضة لذوات الأشخاص وليس لبرامجهم إذ هم لم يبدلوا من برامجهم التي نالوا من خلالها ثقة الناخب، ولكن أولئك تحدوهم مصالحهم الشخصية ينتجعون بها لدى من يظنون فيه النجعة، وإذا لم يجدوا ذلك، كانت حركتهم صوبَ العُدْوةِ الأخرى سريعة وبدون خجل .
والقارئ اليوم، لواقع المعارضة في بلادنا، يدرك أنها تعيش حالة من الوهم  تثير كثيرا من الشفقة؛ لما تمارسه من تعرية لرؤيتها الساذجة، وضعف في قراءتها للواقع الدولي، وإسقاط تداعياته على واقعنا المحلي، فلقد بدأت تلك المعارضة في الآونة الأخيرة تمارس الثرثرة والغوغاء وتتوهم أوهاما حول أمور ثلاثة: حول الثورة، وحول الانتخابات القادمة، وحول التغيير ؛ فلقد كثر تلويح المعارضة بواقع الدّول العربية، وما يعج به من مخاض عسير يراه البعض ثورات وإن صح هذا التوصيف في بلدان فليس كذلك بالتأكيد في بلدان أخرى، ومهما يكن فإن مبررات تلك الظروف وما نتج عنها من "ثورات" لا يمكن أن تنعت به بلادنا بأي حال من الأحول. فإذا كانت مصيبة الدول العربية في الغالب أنها رزحت تحت نَيرِ نُظُمٍ فردية ديكتاتورية ظلت تسوسها لعشرات السنين، فإن مصيبتنا نحن تتمثل في توالي التغيير وعدم  الاستقرار، وعليه فإن الثورة لا مبرر لها إطلاقا إلا إذا كان ثمة من يريد فوضى وانفلاتا أمنيا، يحقق فيه بعض مآربه الضائعة .
 والوهم الثاني ومرتبط بالانتخابات القادمة،وقد بدأت طاحونة المعارضة تمارس جعجعة حوله، وخصوصا الطيف الإسلامي ممثلا في حركة الإخوان وحزبها تواصل، ممارسة نوعا من المقارنات ...  مع فارق القياس ؛  حيث تعتقد أنها ستكون مثل تلك الحركات والأحزاب التي اكتسحت الساحة السياسية في بلدانها وفازت بنسب مريحة، وهو مجرد وهم لا ينبني على أي أسس لها من المنطق أي حظ،  ولعل أولئك المعارضين يدركون أكثر من غيرهم أنه وهْمٌ ربّما قد يصلح للاقتيات عليه داخليا وخارجيا حينا من الدهر ، قبل أن تكاشفهم  نتائج الانتخابات بمعطياتها المعهودة، كما عرفناها في سنواتها الفارطة، وإلا فلا مقارنة واردة بين واقعنا وواقع تلك الشعوب، ولا مقارنة كذلك بين حال الحركة الإسلامية فينا، وحال تلك الحركات التي نالت ثقة ناخبيها في المغرب وتونس ومصر ..، ولقد خاض بعض تلك الحركات انتخابات في سنوات سابقة ـ كما حصل في المغرب ـ فكانت نتائجها أفضل بكثير مما حققته الحركة الإخوانية في موريتانيا في انتخاباتها الماضية ( 207و 2010) رغم رضاها عن سيرها وسلامتها من الغش والتزوير واعترافها بها وبنتائجها. فلقد فازت تلك الحركات بنسبة معتبرة من المقاعد البرلمانية رغم ما يمارس ضدها من الحرب والبلطجة أحيانا، ولم تستطع الحركة الموريتانية أن تحصل على نسبة قريبة مما نالت واحدة من تلك الحركات، حتى لو حسب الأشخاص المنتمون إليها في السر والمنتمون إلى أحزاب أخرى في العلن، مع أنها لم تدّخر وسعا في شراء الأصوات واستغلال القبيلة والفتوى التي كانت توجب التصويت لمنتسبيها وتحرم التصويت لغيرهم، وهذا من الفوارق الكبيرة بينها وبين الحركات الأخرى التي كانت تتنزه عن هذا وأمثاله محافظة على السمعة الخارجية على الأقل، بل إن الرشد بلغ ببعض تلك الحركات مبلغا جعلها تحلّ نفسها علنا بعد أن تم الترخيص لها،تورعا من أن تظل تمارس عملها عبر أكثر من وجه، كما فعلت حركة النهضة مؤخرا في تونس ،  وهو ما لم تفعله حركة الإخوان في مرويتانيا ( حاسم ) إلى حدّ الساعة .
 ولو تأملنا حال تلك الحركات الثقافية لأدركنا بُعد الشقة بينها وبين نظيرتها في بلادنا من حيث الإنتاج الثقافي والحضور المعرفي عموما حيث نستطيع أن نتعرف على رؤية تلك الحركات ونظرتها العامة للشعب والدولة، وفلسفتها في الاقتصاد، وتصورها عن علاقتها مع الآخر، من خلال ما سطّرته أقلامها من كتب ومجلات تعج بها المكتبات العربية والدولية منذ مدة طويلة، وما ينضوي تحت تنظيماتها من خبرات وشخصيات علمية وأكاديمية وسياسية ونقابية ذات خبرة طويلة. وهنالك فرق آخر هو أن موريتانيا بلد متدين كله، ولا يكاد يوجد فيه من يرضى بغير الإسلام، وينصّ دستوره على أن الإسلام هو المصدر الأوحد للتشريع، ولم يحكمه حاكم يعادي الإسلام، أو يتخذ منه موقفا مبنيا على عقيدة يعتقدها، ولم يتحاكم الشعب في حياته الخاصة إلا إلى الشريعة، وقد كان يتحاكم إلى العلماء ويرضى بحكمهم من غير سلطة رسمية منذ أن كان يعيش في العراء وقبل أن يعرف الدولة المركزية، ولذلك يشعر الشعب الموريتاني أن وجود حركة إسلامية سياسية في بلاده نوع من المزايدة السياسية وأن الذي يحتاج إليه هو حزب سياسي نزيه يجتمع فيه أكبر عدد من الكفاءات الموريتاينة الغيورة على البلد ومصالحه الحريصة على العطاء وبناء موريتانيا الغد، بعيدا عن الشعارات والمزايدات، واستغلال العواطف في زمان بلغت فيه الشعوب الحلمَ، ولم تعد للعواطف مكانة كبيرة عندها، وهذا ما عبرت عنه الانتخابات الرئاسية في الدورتين اللتين اشتركت فيهما الحركة الإسلامية في بلادنا بشكل مباشر وغير مباشر ؛ فكان ما حصدت من الأصوات في الدورة الأولى حين كانت متوحدة خلف مترشح واحد سبعة بالمائة، فلما تعدد مترشحوها حسبما يقتضي التمويه وسياسة التخفي نالت أقل من ستة في المائة. ويخيل إلي أن انصراف الحركة عن الثورة التي كانت تهدد بها في الأيام القليلة الماضية ربما كان مَبْنِياَّ على هذه الحسابات بالإضافة إلى حسابات أخرى أحدث منها هي أنها لم تجد تجاوبا من الشارع يذكر. وما كثرة المهرجانات الخطابية والتحرك في كل اتجاه إلا وسيلة جديدة تحاول أن تنتزع بها من الأصوات ما تخشى أن يَفْلتَ منها. وفي بعض البلدان الأخرى اتجاهات شيوعية وعلمانية لا تخفي عداوتها للإسلام، وعملها على تهميشه وفرض العلمانية رغم إرادة الأكثرية، ودساتيرها كلها علمانية، وبعضها تحكمه أقلية طائفية، ولذلك يتعاطف الناس مع تلك الحركات لأنها تعبر عن هويتهم وتمثل إرادتهم، رغم كل ما يأخذون عليها، وتجاهُل هذا والتظاهر بأن المجتمع الموريتاني لا يَعيه من إيهام النفس. لكن الشعب اليوم لم يعد مستعدا للتغرير أو ممارسة شراء الذمم، ولم يعد في مقدور أي جهة أن تنال رضا الشعوب إلا من خلال قدرتها على ممارسة النزاهة واحترام عقول الجماهير، وامتلاكها الإرادة الصارمة للتخلص من العمل السري غير المشرع لتوجيه العمل الحزبي المشرع والتغرير بالمتعاطفين معها وتوجيههم من حيث لا يشعرون .
 وغني عن القول: إن كل الأطياف المعارضة في ساحتنا الوطنية، والتي تزدحم بها منصة المعارضة اليوم، متباينة أشد التبيان ولا يجمع بينها أي شيء يتعلق بمصلحة البلاد بقدر ما يجمع بينها بغضها لشخص الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وفيما عدا ذلك فهم مُزَق متبيانة بقدر تباين بصمات أفرادها،  تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .
والوهم الأخير يتعلق بالتغيير ومفاهيمه، فحتى لو تسنى لتلك المعارضة أن تتولى تسيير شؤون البلاد، وهو أمر مستبعد تماما في وقتها الراهن، فإن ذلك لا يعني امتلاكها لزمام التغيير بأي حال من الأحول، فالتغيير ثقافة وممارسة، وما تمارسه تلك المعارضة على اختلاف أطيافها لا يبرهن على امتلاكها لأدوات التغيير أبدا ؛ حيث لا زالت الثقافة القبلية والجهوية،  وشراء الذمم والكذب والتزوير والمحاباة والانتهازية .. هي المفاهيم السائدة والمعششة في أذهان قادتها، ولن تختلف إدارتها لمؤسسات الدولة حينئذ عن إدارتها لمؤسساتها الخاصة التي ظلت توجّه إلى الجيوب الخاصة، وتنهب مدخراتها عيانا بغض النظر عن واقع  الجوعى والأيتام والأرامل المعنيين بها أصلا،  ثم تتدخل قادة تلك الجهات لتمارس ذرّ الرماد في الأعين وتتولى تبديل أشخاص بآخرين،  وهل يرد ذلك ما التهمته الخمسُ وأودعته الجيوب والبطون والحسابات الخاصة .. ؟ .
ومن تأمل واقع بلادنا اليوم يدرك أنها على مفترق طرق ؛ إما أن تواصل التقدم ومغادرة مواقع التخلف، ومربعات الجهل والمرض، وإما أن تنتكس على أعقابها فتكون لقمة سائغة في أيدي النفعيين والانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة .. وذلك لن يتم بإذن الله . ولكن مواصلة التقدم والتطور،أيضا، لن تكون ممكنة إلا إذا حققنا نسبة من الاستقرار معتبرة،  والتقطنا أنفاسنا بعيدا عن التوتر والتأزم . وبوادر التقدم حاضرة اليوم في واقعنا، أكثر من ذي قبل،  تتجلى في مستوى التنمية الحضارية والثقافية في بلادنا، حيث الشوارع والمؤسسات والمصانع  ومحاربة الفساد والمفسدين، وحيث حققت تنميتنا في مجال الحريات العامة نتائج تذكر فتشكر، كما عبرت عنها مكانة بلادنا في مستوى الحريات الإعلامية على مستوى العالم أجمع والعربي تحديدا مؤخرا . ولا بد هنا أن أذكر بأن الخطر لا يأتي من قبل المعارضة وحدها بل ثمة جهات أخرى لا تقل عنها خطورة يتردد صداها في مفاصل الحزب الحاكم، يظهر ذلك جليا في تحجيم قدرة الحزب على التحرك في وجه الحملات المغرضة التي تتعرض لها البلاد وتخاذل قادته عن اتخاذ مواقف أكثر نصاعة تبين للناس خطورة واقعهم وما يراد بهم، وتفضح مكايد الخصوم وسوء طويتهم، وتبرهن على الانجازات التي تحققت في ظروف قياسية . ولعل ظهور قيادات على مستوى الحزب الحاكم عن طريق التمثيل القبلي والجهوي وعن طريق بعض التوازنات الداخلية أثّر كثيرا على مستوى فاعلية الحزب، وحدَّ من قدرته على المناورة، وقد يدخله من نفس المداخل التي أجهزت على الحزب الجمهوري في عهده البائس، و لا شك أن حضور تلك الشخصيات كان على حساب شباب مثقفين منهم محامون ونواب وأساتذة ظهروا إبان أزمات 2008 أكثر قدرة على التعبير عن واقع البلاد، وأقدر على استيعاب مشاكلها وتحسس آلامها يبدو أن الحزب حد من حركتهم الإعلامية على الأقل، ولم يقدم لهم بديلا يذكر .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل،،،
يحيى بن البيضاوي

مصطلح المعارضة مصطلح حديث، تعود جذوره إلى عصور ازدهار الديمقراطيات الغربية، ولم يكن لهذه اللفظة مدلول  يذكر في ثقافتنا العربية والإسلامية، بل إن الألفاظ المستخدمة في المعاني القريبة من دلالة هذا المصطلح والتي  تشير إلى مناوأة الحاكم ظلت تُبوَّبُ تحت عنوان الخروج والتمرد على طاعة أولي الأمر، وعندما اضطرت شعوبنا إلى الأخذ بالنظم الديمقراطية،  كانت نظرتنا إلى المعارضة متخلّفة؛ حيث اعتبرناها أسلوبا لإدالة الدول وانتزاع الكراسي، ولم يكن للمصلحة الوطنية، ومعاني النضال من أجل البناء والتقدم، فيها أي اعتبار يذكر. وتَعَاطِينا مع هذا المصطلح لا يختلف في كثيرٍ عن تعاطينا مع غيره من المصطلحات الأخرى الوافدة علينا  فعند ما تم استجلاب مصطلح النقد ـ مثلا ـ أسقطنا عليه معاني التجريح أو (العيب) حسب مدلوله في لهجتنا المحلية، فلم تتجاوز أنساقنا النقدية،في غالب أحوالنا، إلى الفكرة من أجل إظهار محاسنها، وكشف مواطن الخلل فيها، بل كانت تتوجه إلى صاحب الفكرة نفسه،  وكأننا نمارس امتدادا لما ألِفناه في أوساطنا البدوية، من سبّ وشتم. ونفس الشيء يقال عن التمثيل حيث ظل ينظر إليه على أنه نوع من المحاكاة، لا غير.  وهكذا كان مدلول المعارضة في قاموسنا السياسي العربي قد شذ عن مقاصده وطوّحت به السبل بعيدا عن مراميه الأولى، ولم تخرج المعارضة في بلادنا عن هذا الفهم بل  نصيبها منه يُقدر بالقَدر الذي تنوء به ثقافتنا من  بداوة وانجذاب نحو الواقع القبلي والجهوي المتخلف، فكانت غوغاءً وكلامًا سطحيًا ينحُو نحوَ خَلق المشاكل، وافتعال الأزمات، وزيادة بؤر التوتر، بدل المشاركة الفعالة من أجل تطوير الممارسة السياسية وتبييت فُهوم العمل  المشترك، خدمة للسلم وسعيا إلى الاستقرار؛ وآية ذلك أن المعارضة لدينا لم تكن معارضة للبرامج، بل هي معارضة لأشخاص بعينهم، فكم صُنّفت جهات تحت لا فتة المعارضة أيام الحملات الانتخابية، لكنها لم تلبث أن انتقلت إلى من كانت تعارضه ثم ارتكست عنه عندما لم يحقق مآربها كحال كثير من معارضتنا اليوم، وهو دليل على أنها معارضة لذوات الأشخاص وليس لبرامجهم إذ هم لم يبدلوا من برامجهم التي نالوا من خلالها ثقة الناخب، ولكن أولئك تحدوهم مصالحهم الشخصية ينتجعون بها لدى من يظنون فيه النجعة، وإذا لم يجدوا ذلك، كانت حركتهم صوبَ العُدْوةِ الأخرى سريعة وبدون خجل .
والقارئ اليوم، لواقع المعارضة في بلادنا، يدرك أنها تعيش حالة من الوهم  تثير كثيرا من الشفقة؛ لما تمارسه من تعرية لرؤيتها الساذجة، وضعف في قراءتها للواقع الدولي، وإسقاط تداعياته على واقعنا المحلي، فلقد بدأت تلك المعارضة في الآونة الأخيرة تمارس الثرثرة والغوغاء وتتوهم أوهاما حول أمور ثلاثة: حول الثورة، وحول الانتخابات القادمة، وحول التغيير ؛ فلقد كثر تلويح المعارضة بواقع الدّول العربية، وما يعج به من مخاض عسير يراه البعض ثورات وإن صح هذا التوصيف في بلدان فليس كذلك بالتأكيد في بلدان أخرى، ومهما يكن فإن مبررات تلك الظروف وما نتج عنها من "ثورات" لا يمكن أن تنعت به بلادنا بأي حال من الأحول. فإذا كانت مصيبة الدول العربية في الغالب أنها رزحت تحت نَيرِ نُظُمٍ فردية ديكتاتورية ظلت تسوسها لعشرات السنين، فإن مصيبتنا نحن تتمثل في توالي التغيير وعدم  الاستقرار، وعليه فإن الثورة لا مبرر لها إطلاقا إلا إذا كان ثمة من يريد فوضى وانفلاتا أمنيا، يحقق فيه بعض مآربه الضائعة .
 والوهم الثاني ومرتبط بالانتخابات القادمة،وقد بدأت طاحونة المعارضة تمارس جعجعة حوله، وخصوصا الطيف الإسلامي ممثلا في حركة الإخوان وحزبها تواصل، ممارسة نوعا من المقارنات ...  مع فارق القياس ؛  حيث تعتقد أنها ستكون مثل تلك الحركات والأحزاب التي اكتسحت الساحة السياسية في بلدانها وفازت بنسب مريحة، وهو مجرد وهم لا ينبني على أي أسس لها من المنطق أي حظ،  ولعل أولئك المعارضين يدركون أكثر من غيرهم أنه وهْمٌ ربّما قد يصلح للاقتيات عليه داخليا وخارجيا حينا من الدهر ، قبل أن تكاشفهم  نتائج الانتخابات بمعطياتها المعهودة، كما عرفناها في سنواتها الفارطة، وإلا فلا مقارنة واردة بين واقعنا وواقع تلك الشعوب، ولا مقارنة كذلك بين حال الحركة الإسلامية فينا، وحال تلك الحركات التي نالت ثقة ناخبيها في المغرب وتونس ومصر ..، ولقد خاض بعض تلك الحركات انتخابات في سنوات سابقة ـ كما حصل في المغرب ـ فكانت نتائجها أفضل بكثير مما حققته الحركة الإخوانية في موريتانيا في انتخاباتها الماضية ( 207و 2010) رغم رضاها عن سيرها وسلامتها من الغش والتزوير واعترافها بها وبنتائجها. فلقد فازت تلك الحركات بنسبة معتبرة من المقاعد البرلمانية رغم ما يمارس ضدها من الحرب والبلطجة أحيانا، ولم تستطع الحركة الموريتانية أن تحصل على نسبة قريبة مما نالت واحدة من تلك الحركات، حتى لو حسب الأشخاص المنتمون إليها في السر والمنتمون إلى أحزاب أخرى في العلن، مع أنها لم تدّخر وسعا في شراء الأصوات واستغلال القبيلة والفتوى التي كانت توجب التصويت لمنتسبيها وتحرم التصويت لغيرهم، وهذا من الفوارق الكبيرة بينها وبين الحركات الأخرى التي كانت تتنزه عن هذا وأمثاله محافظة على السمعة الخارجية على الأقل، بل إن الرشد بلغ ببعض تلك الحركات مبلغا جعلها تحلّ نفسها علنا بعد أن تم الترخيص لها،تورعا من أن تظل تمارس عملها عبر أكثر من وجه، كما فعلت حركة النهضة مؤخرا في تونس ،  وهو ما لم تفعله حركة الإخوان في مرويتانيا ( حاسم ) إلى حدّ الساعة .
 ولو تأملنا حال تلك الحركات الثقافية لأدركنا بُعد الشقة بينها وبين نظيرتها في بلادنا من حيث الإنتاج الثقافي والحضور المعرفي عموما حيث نستطيع أن نتعرف على رؤية تلك الحركات ونظرتها العامة للشعب والدولة، وفلسفتها في الاقتصاد، وتصورها عن علاقتها مع الآخر، من خلال ما سطّرته أقلامها من كتب ومجلات تعج بها المكتبات العربية والدولية منذ مدة طويلة، وما ينضوي تحت تنظيماتها من خبرات وشخصيات علمية وأكاديمية وسياسية ونقابية ذات خبرة طويلة. وهنالك فرق آخر هو أن موريتانيا بلد متدين كله، ولا يكاد يوجد فيه من يرضى بغير الإسلام، وينصّ دستوره على أن الإسلام هو المصدر الأوحد للتشريع، ولم يحكمه حاكم يعادي الإسلام، أو يتخذ منه موقفا مبنيا على عقيدة يعتقدها، ولم يتحاكم الشعب في حياته الخاصة إلا إلى الشريعة، وقد كان يتحاكم إلى العلماء ويرضى بحكمهم من غير سلطة رسمية منذ أن كان يعيش في العراء وقبل أن يعرف الدولة المركزية، ولذلك يشعر الشعب الموريتاني أن وجود حركة إسلامية سياسية في بلاده نوع من المزايدة السياسية وأن الذي يحتاج إليه هو حزب سياسي نزيه يجتمع فيه أكبر عدد من الكفاءات الموريتاينة الغيورة على البلد ومصالحه الحريصة على العطاء وبناء موريتانيا الغد، بعيدا عن الشعارات والمزايدات، واستغلال العواطف في زمان بلغت فيه الشعوب الحلمَ، ولم تعد للعواطف مكانة كبيرة عندها، وهذا ما عبرت عنه الانتخابات الرئاسية في الدورتين اللتين اشتركت فيهما الحركة الإسلامية في بلادنا بشكل مباشر وغير مباشر ؛ فكان ما حصدت من الأصوات في الدورة الأولى حين كانت متوحدة خلف مترشح واحد سبعة بالمائة، فلما تعدد مترشحوها حسبما يقتضي التمويه وسياسة التخفي نالت أقل من ستة في المائة. ويخيل إلي أن انصراف الحركة عن الثورة التي كانت تهدد بها في الأيام القليلة الماضية ربما كان مَبْنِياَّ على هذه الحسابات بالإضافة إلى حسابات أخرى أحدث منها هي أنها لم تجد تجاوبا من الشارع يذكر. وما كثرة المهرجانات الخطابية والتحرك في كل اتجاه إلا وسيلة جديدة تحاول أن تنتزع بها من الأصوات ما تخشى أن يَفْلتَ منها. وفي بعض البلدان الأخرى اتجاهات شيوعية وعلمانية لا تخفي عداوتها للإسلام، وعملها على تهميشه وفرض العلمانية رغم إرادة الأكثرية، ودساتيرها كلها علمانية، وبعضها تحكمه أقلية طائفية، ولذلك يتعاطف الناس مع تلك الحركات لأنها تعبر عن هويتهم وتمثل إرادتهم، رغم كل ما يأخذون عليها، وتجاهُل هذا والتظاهر بأن المجتمع الموريتاني لا يَعيه من إيهام النفس. لكن الشعب اليوم لم يعد مستعدا للتغرير أو ممارسة شراء الذمم، ولم يعد في مقدور أي جهة أن تنال رضا الشعوب إلا من خلال قدرتها على ممارسة النزاهة واحترام عقول الجماهير، وامتلاكها الإرادة الصارمة للتخلص من العمل السري غير المشرع لتوجيه العمل الحزبي المشرع والتغرير بالمتعاطفين معها وتوجيههم من حيث لا يشعرون .
 وغني عن القول: إن كل الأطياف المعارضة في ساحتنا الوطنية، والتي تزدحم بها منصة المعارضة اليوم، متباينة أشد التبيان ولا يجمع بينها أي شيء يتعلق بمصلحة البلاد بقدر ما يجمع بينها بغضها لشخص الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وفيما عدا ذلك فهم مُزَق متبيانة بقدر تباين بصمات أفرادها،  تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى .
والوهم الأخير يتعلق بالتغيير ومفاهيمه، فحتى لو تسنى لتلك المعارضة أن تتولى تسيير شؤون البلاد، وهو أمر مستبعد تماما في وقتها الراهن، فإن ذلك لا يعني امتلاكها لزمام التغيير بأي حال من الأحول، فالتغيير ثقافة وممارسة، وما تمارسه تلك المعارضة على اختلاف أطيافها لا يبرهن على امتلاكها لأدوات التغيير أبدا ؛ حيث لا زالت الثقافة القبلية والجهوية،  وشراء الذمم والكذب والتزوير والمحاباة والانتهازية .. هي المفاهيم السائدة والمعششة في أذهان قادتها، ولن تختلف إدارتها لمؤسسات الدولة حينئذ عن إدارتها لمؤسساتها الخاصة التي ظلت توجّه إلى الجيوب الخاصة، وتنهب مدخراتها عيانا بغض النظر عن واقع  الجوعى والأيتام والأرامل المعنيين بها أصلا،  ثم تتدخل قادة تلك الجهات لتمارس ذرّ الرماد في الأعين وتتولى تبديل أشخاص بآخرين،  وهل يرد ذلك ما التهمته الخمسُ وأودعته الجيوب والبطون والحسابات الخاصة .. ؟ .
ومن تأمل واقع بلادنا اليوم يدرك أنها على مفترق طرق ؛ إما أن تواصل التقدم ومغادرة مواقع التخلف، ومربعات الجهل والمرض، وإما أن تنتكس على أعقابها فتكون لقمة سائغة في أيدي النفعيين والانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة .. وذلك لن يتم بإذن الله . ولكن مواصلة التقدم والتطور،أيضا، لن تكون ممكنة إلا إذا حققنا نسبة من الاستقرار معتبرة،  والتقطنا أنفاسنا بعيدا عن التوتر والتأزم . وبوادر التقدم حاضرة اليوم في واقعنا، أكثر من ذي قبل،  تتجلى في مستوى التنمية الحضارية والثقافية في بلادنا، حيث الشوارع والمؤسسات والمصانع  ومحاربة الفساد والمفسدين، وحيث حققت تنميتنا في مجال الحريات العامة نتائج تذكر فتشكر، كما عبرت عنها مكانة بلادنا في مستوى الحريات الإعلامية على مستوى العالم أجمع والعربي تحديدا مؤخرا . ولا بد هنا أن أذكر بأن الخطر لا يأتي من قبل المعارضة وحدها بل ثمة جهات أخرى لا تقل عنها خطورة يتردد صداها في مفاصل الحزب الحاكم، يظهر ذلك جليا في تحجيم قدرة الحزب على التحرك في وجه الحملات المغرضة التي تتعرض لها البلاد وتخاذل قادته عن اتخاذ مواقف أكثر نصاعة تبين للناس خطورة واقعهم وما يراد بهم، وتفضح مكايد الخصوم وسوء طويتهم، وتبرهن على الانجازات التي تحققت في ظروف قياسية . ولعل ظهور قيادات على مستوى الحزب الحاكم عن طريق التمثيل القبلي والجهوي وعن طريق بعض التوازنات الداخلية أثّر كثيرا على مستوى فاعلية الحزب، وحدَّ من قدرته على المناورة، وقد يدخله من نفس المداخل التي أجهزت على الحزب الجمهوري في عهده البائس، و لا شك أن حضور تلك الشخصيات كان على حساب شباب مثقفين منهم محامون ونواب وأساتذة ظهروا إبان أزمات 2008 أكثر قدرة على التعبير عن واقع البلاد، وأقدر على استيعاب مشاكلها وتحسس آلامها يبدو أن الحزب حد من حركتهم الإعلامية على الأقل، ولم يقدم لهم بديلا يذكر .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل،،،
يحيى بن البيضاوي

0 التعليقات:

بلدان الزوار

free counters

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م