الأحد

سقوط كيديماغا..!

استطاع كِتاب التاريخ في الصف السادس ابتدائي في موريتانيا القيام بهذه المعجزة: من ناحية هو لا يعتبر أن استعمار فرنسا و احتلالها لموريتانيا حدث قبل 1901، ومن ناحية ثانية هو يعتبر مامادو لمين بطلا قاوم هذا الاحتلال. المعجزة هنا هي أن مامادو لمين توفي في 1887، تحديدا قبل 13 عاما من مشاهدة "كتاب التاريخ" له و هو يقوم بمعارك ضد المستعمر في كيديماغا.

صورة لمامادو لمين بعمامة الإمارة و المشيخة في ثمانينيات القرن التاسع عشر.

هنالك طريقة واحدة لحل هذا اللغز، وهي تعجيل الحضور الفرنسي في المجال الموريتاني إلى سنوات أبعد من 1901. و في الحقيقة فإن كيديماغا كانت أول مكان من موريتانيا الحالية تضمه فرنسا رسميا لترابها و ذلك في1890. و لكن القصة تعود إلى صراعات متشعبة في تلك الفترة. فمع منتصف القرن التاسع عشر كانت هنالك ثلاث قوى أساسية: الفرنسيون الذي وطدوا أنفسهم في سان لويس و بدأوا في توجيه مطامعهم إلى السنغال العليا و حوض النهر إلى شرق مالي حيث يمكنهم التحكم في منافذ القوافل و في عموم النشاط التجاري في المنطقة ولم يكن يزعج تقدمهم إلا تحالف أمراء البيضان و الساتيغيات التكرور ؛ و كان هنالك البيضان الذين طردوا الزنوج قبل أن يحل القرن التاسع عشر و كانوا قوة ضاربة عسكريا و روحيا. بالأضافة إلى أن فرنسا لم تتوفر على معلومات كافية حول حجم قوتهم قبل الثمانينيات من القرن التاسع عشر؛ و لكن القوة الوليدة في منتصف القرن كانت الفوتية.


و ترتبط الفوتية في المصادر العربية دوما بالحاج عمر الفوتي وحركته، و لكن الحقيقة أن الفوتية كانت مجالا للإنتماء و كانت قومية تجارية علمية متعددة الأعراق مثلها مثل "بلاد التكرور". و قد عرف المنتمون للمجال بالفوتانكة في اللهجات المحلية، وهو  ما نقلته عنهم الفرنسية. و سوف لن يظهر الوعي العرقي و القبلي إلا مع مجيئ الفرنسيين، الذين أيضا سيسوا مجالات لم تكن فارقة في موريتانيا مثل الفرق البنيوي بين العرب و الزوايا أو مسح الفروق بين الحراطين و العبيد. و ليس صحيحا أن كل الفوتانكيين كانوا مسلمين أو من التكرور رغم أن هذين كانا العنصرين الغالبين في الفوتا. كان في المجال كل من السونينكى و الولوف و السيرير و البيضان المهاجرون، وخصوصا من القبائل التي هاجرت قبل قرن في تجارة العلك و استقرت في أعالي الفوتا. بل و إن الدعاة البيضان و المانديك الذين نشروا الاسلام في غرب إفريقيا كانوا ينطلقون من الفوتا، من بين مناطق أخرى- كأقليات مقيمة مستقرة. و يعود أول شتات مستقر من البيضان في الفوتا تورو إلى القرن السابع عشر عندما اندحرت حركة ناصر الدين و فرت بعض العناصر منها إلى بلاد الساتيغي بعد الهزيمة الكبيرة في ترتلاس و في سهول أمتاليس.


كانت الفوتا سلطة سياسية منذ القرن الخامس عشر على الأقل و ذلك عندما حكمها كولي تنغللة با، و هو الذي هاجم البيضان التاشمشيين في أعالي النهر واضطهدهم. و سوف لن يتم تقليص نفوذ الفوتا فيما ماوراء النهر إلا عندما سيطر ناصر الدين ثم لاحقا أمراء حسان على المجال و جعلوا الفوتا تحت رحمتهم. و في القرون اللاحقة بسط أولاد امبارك و إيدوعيش سلطتهم على المناطق المحاذية الفوتية العليا و كانت كيدماغا تعتبر إقطاعية لهم. و سوف تبقي كيديماغا خارجة عن النفوذ الفوتي حتى منتصف القرن التاسع عشر رغم أن حضور القبائل التكرورية و السونينكية تزايد في جنوبها.


وفي القرن التاسع عشر حدثت تغيرات مهمة فقد انهارت السلطة السياسية العتيقة في الفوتا لصالح التيجانية السياسية بقيادة الحاج عمر تال (الفوتي). و لم يهتم إيدوعيش و حلفائهم في لبراكنة بصد الحاج عمر عن التمدد في جنوب كيديماغا في 1854 لأنهم كانوا في حلف و تفاهم مع التكرور الذين شكلوا نواة حركته و أيضا لأنهم وجدوا مصلحة في توسع الحاج عمر ضد غرمائهم التقليديين، أولاد امبارك، وهي نفس المصلحة التي وجدها أيضا أولاد الناصر و مشظوف، المنافسين آنذاك سياسيا و تجاريا لأولاد امبارك. و هكذا نجح الحاج عمر في إنهاء نفوذ أولاد امبارك الذي استمر قرنين جنوب موريتانيا الحالية و شمال مالي و غرب السنغال و كان يحوم حول سيغو و سوكوتو ومدينة. ومع التوطد في كيديماغا حدث استيطان من بعض التكرور و بعض السونينكى في كيديماغا حيث بدأوا في التوطد كمزارعين أساسا، و إن كانت عناصر من الفولبة قد بدأت في تنمية الأغنام.


و بدأ تضعضع الحاج عمر، بفعل هزيمته من قبل تحالف ماسينا و ساسي و القادرية السياسية بقيادة الشيخ سيدي أحمد البكاي الكنتي، المستقر حينها كشيخ روحي و سياسي في تنبكتو. وهكذا نجح التحالف في قتل الحاج عمر في بداية الستينيات من القرن التاسع عشر. ولكن مُلْكَ الفوتيين المتضعضع فتح أطماع فرنسا التي حاربت حركة الجهاد الفوتية. و بالفعل بدأ الكولونيل غالييني ومن بعده الكولو نيل أرشينار في الهجوم على الفوتيين بحجة أن فرنسا تريد رد الممالك الصغيرة التي قهرها التكرور.  و بالفعل استطاع الفرنسيون انتزاع سيغو من الفوتيين و عهدوا بها إلى فاما ماري جارا، ولكنها بقيت ملكة إسمية أما السلطة الحقيقة فقد بقيت في يد الإداري الفرنسي. و قد عمل الفرنسيون على تشجيع الانفصال عن السلطة الفوتية و تسييس العصبويات الصغيرة. ثم فرضوا اتفاقية غوري على لامدو جولبة و جماعة أل بوري انجاي الذي تحالف مع البيضان و هاجموا الفرنسيين حتى قرب سان لويس.


ومن هنا حدث تسييس الفروقات الاثنية. و مع وجود خلافات بين خليفة الحاج عمر، ابنه أحمد شيخو تال، وبين زعيم السونينكي مامادو لمين فإن الأخير  بدأ في صناعة تمايز أيديولوجي عن التكرور التيجانيين. و كان ذهب إلى السودان العربي (الخرطوم) حيث التقي بالمهدي، قائد الدعوة المهدية و عدو الانجليز. و عندما عاد و تحرر من سجن الفوتيين فإنه اعتبر نفسه خليفة للمهدي و أعلن تخليه عن التيجانية و انتسابه للطريقة السنوسية. و أرسل بذلك إلى شيوخ السونينكى و حقق شعبية واسعة في السونينكى و بدأ في ترجمة الوعي العرقي الذي أيقظته السياسات الاستعمارية إلى قومية سونينكية ثم بدأ في بناء وطن سونينكى، وهو ما تناقض مع المصالح الفرنسية. وتوسع مجال نفوذه من جارا و نواحي باغنة (باخونو) في مالي الحالية غربا إلى ناحي من الفوتا العليا غربا و لكن كيديماغة لن تصبح في مجاله حتى وفاته. و رغم أن السونينكيين بقوا تيجانيين خصوصا في الضفة اليمنى إلا أنهم تخلوا عن التبعية للتكرور و انضموا لحركته. وهكذا أعلن الجهاد و أتعبَ الفرنسيين. غير أنه قُتل في مثل هذه الأيام في الثامن من ديسمبر 1887 في معركة مع قوات فرنسا القادمة من سيغو و سان لويس.


ومع الثمانينيات بدأ النزوح الكبير إلى كيديماغا فقد هرب أتباعه السونينكيون إلىها (و من هنا ربط كتاب التاريخ بينهم و بين المجاهد السونينكي)، و في نفس الوقت كان الفرنسيون يشجعون البامبارا في شرق السودان الفرنسي (شمال مالي) على طرد التكرور إلى كيدماغا و ذلك بعد انهيار الدولة العمرية التي ستنتهي رسميا بعد سقوط نيورو في يد الفرنسيين في 1891 (يعتقد المؤرخ السنغالي ابراهيما أبو صال أن الهجرة التكرورية إلى كيدماغا بدأت بفعل هذا التشجيع). و أمام انهيار السلطتين الزنجيتين (التكرور و السونينكى) هاجمت قوات بكار ولد اسويد أحمد كيدماغا وفرضت إتاوات على ساكنته. وأعلن بكار ولد اسويد أحمد أن كيدماغا ملك له و أن على من أراد البقاء فيها دفع الميرة و إلا فإنه سيطرده.


وفي 1890 اجتمع أعيان كيدماغا من التكرور و السونينكى و أرسلوا رسالة إلى الحاكم الفرنسي، لاموت، وطلبوا منه التدخل لتحريرهم من إيدوعيش. وقالوا أنهم هم ملاك الأراضي الأصليون و أن أراضيهم تمتد إلى تكانت التي طردهم منها البيضان منذ قرون (توجد الرسالة في أرشيف دكار). و بالفعل في أغسطس1890 دخلت القوات الفرنسية إلى كيديماغا و أعلنت ضم سيلبابي و جيغالي و باكل و كويانغول إلى السودان الإفريقي. و تأجلت المواجهة مع بكار ولد اسويد أحمد إلى ثلاث عشر سنة قادمة.

                                                   ابو العباس ابراهام 

1 التعليقات:

غير معرف يقول...

معلومات غزيرة ورائعة

بلدان الزوار

free counters

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م