الأحد

قصة قصيرة بعنوان حصار الثعابين للكاتب : مصطفي محفوظ


…انطفأت وراءه سحابة غبار كثيف! كانت قد نشأت جراء خطواته المتسارعة فوق الرمل لأنه خرج مسرعا يتسابق مع غروب الشمس كي يتسني له قطف بعض الثمار من الحديقة بغية ضمها إلي وجبة الفطور قبل حلول الظلام ... وقف علي التلة ينتظر كلبه الأسود الذي يرافقه طوال الوقت وبدأ يعدل وضع ثيابه ، شد عليه حزامه ورتب ياقة معطفه الطويل المتدلي تحت الركبتين حتي استوت ملتفة حول عنقه بانتظام ، وظهر الكلب يلهث وهو يشق الغبارمندفعا ليصعد التلة التي تقبع خلفها حديقة عبد اللطيف وتشكل حاجزا رمليا بينها وبين المدينة الريفية التي يسكنها ...

كانت أشعة الشمس المتهيأة للغروب تهبط علي الحديقة بشكل عمودي علي هيأة أسلاك حمراء أشبه ماتكون بزخات المطرمضفية عليها منظرا بديعا رائع الجمال إذبدت الأزهار العاكسة لأشعة الشمس كالقناديل المضاءة في أجواءاحتفالية قد رتب لها بعناية وتم تلميع الألوان المختلفة فيها بشكل مقصود لأن كل زهرة عكست الشعاع بصورة مختلفة عن الأخري ..

سرق منظر الحديقة البديع لب عبد اللطيف وخطف بصره فوقف يتأمله طويلا وهو منحدرمن التلة صوب الحديقة وتمتم مخاطبا نفسه: علي أن أسرع لقد جئت أسابق الظلام وهاهي الشمس تغرب وأنا لم أصل بعد .. آه لم أكن أعلم أن لحظات الغروب تكون جميلة بهذاالشكل علي الحدائق المورقة !! ، كنت أسمع الناس يقولون إنها جميلة جدا علي ضفاف الأنهار والمجاري المائية والمحيطات...

تجول في كل ممرات الحديقة وملأها جيئة وذهابا وهو يقطف الثمار اليا نعة بنهم يقتلعها قلعا ويلتقط كل ماوقع تحت بصره مماهو متساقط منها حتي ملأ جرابه قبل أن يلفه الظلام ويجبره علي الخروج منها ... ،بدا عليه الارتياح وشعر بالطمئنينة لدى خروجه من الحديقة ، لم يدرك مصدر ذالك الارتياح بشكل حاسم لكنه بالفعل يعود إلي منزله وقد أنجز مهمته وشاهد منظرا جميلا لم يعهد له مثيلا في ما مضي من سني عمره الخمسين (مشهد الغروب علي الحديقة) ..،

وعادت به الذاكرة إلي تلك اللحظات واستغرق في التفكير ...، لحظات جميلة حقابل مدهشة لكنها كادت تفوت علي فرصة قطف الثمار قبل مجيء الليل .. وأمعن في تحليل المشهد باندفاع وسرور ..

وفي نفس المكان الذي وقف عليه من التلة يشاهد الغروب برز له ثعبان مهول الحجم وزحف نحوه فاغرا فاه بشكل مخيف ! وكأنه يريد أن يلتقم كل شيء مرة واحدة .. راوغه عبد اللطيف وحاول أن يمر

لكن الثعبان طوقه ولم يدع له مهربا !! ، آه يا إلهي مالذي يحدث هذه الليلة؟!، مشهدان غريبا ن ومختلفان تماما في ليلة واحدة وفي ذات المكان أيضا ...، واحتار امام أسئلة كثيرة بدت تنثال عليه انثيالا!! هل أعيش في الدنيا أم في الآخرة ؟هل أنا مع الإنس أومع الجن ؟ ...،وما من جواب قريب عن تلك الأسئلة لكنه في الواقع يعيش أزمة أدعي لإيجاد حل من تلك الأسئلة ، وقف يفكر بجد في المخرج من المأزق .. مد يده إلي قفاه من الأعلي وانتزع العصي من كنانته الممتلئة من الثمار وقرر تسديد ضربة قوية إلي الثعبان !.

كانت عينا الثعبان تحملق في وجه عبد اللطيف بحدة وكأنهما جمرتان متقدتان لا تبدو عليهما أية حركة!..أحس عبد اللطيف أن الضربة التي صمم علي تسديدها إلي الثعبان قد تكون فيها نهايته هو، لكن عليه أن يتصرف ويحمل نفسه علي مزيد من الشاجعة والتماسك الداخلي ، لامجال للخوف مطلقا في مثل هذاالموقف .. رفع يده بالعصي التي يمسكها بقوة ! ومط بها ساعده عاليا في الجو ثم هوي بها علي عنق الثعبان المشرأبة في صمود عجيب لم تزعزعه كل تلك الحركات فانقسم نصفين وانبثقت من كل نصف ثعابين عديدة مضاءة الرؤوس كأنها شهب ثاقبة وبدأت تغلي فوق الأرض وزادت من حركتها وزحفها نحوه فهاجمته بعنف اضطره إلي التراجع لأنه كلما ضرب منها واحداانفجر بعشرات الثعابين التي تفوقه عنفا وشراسة! ولاحظ مع خطواته إلي الخلف أن الثعا بين قد خمدت وخفت حركتها بل كأنما لفظت أنفاسها بالكامل، ولم يتبعه منها ثعبان واحد، وعادت إليه الأسئلة من جديد : هل اعيش في عالم الأحياء أوالأموات ؟ هل أعيش واقعا أم حلما ؟! .. زم شواربه وهز رأسه بتثاقل: لا، لا، ليس هذا أمرا عاديا !.. ثم تقدم صوب التلة مرة أخري مصمما علي العبور فتفجرت أمامه عيون الأرض بأعداد هائلة من الثعابين لا حصر لها وقد تضاعفت حركتها وزادت قوة هجومها وزحفها نحوه وبدا وجه الأرض أمامه ثعابين! كأنه ليس في الأمر إلا أن الأرض تبدلت غير الأرض وجاءت أخري نصفها ثعابين ونصفها الآخر كما تحت قدميه ! ، فتقهقر ثانية وجمدت الثعابين لم يتبعه منها شيء !! .وقف يتأمل ما حدث مقطبا وجهه في وجوم وقلق نفسي مصدره الإعياء والأرق !! ، أغمض جفونه المثقلة وتثاءب كثيرابشكل متتابع ... آه تبا لهذه الليلة ! ، لقد عانيت فيها كثيرا يا للتعاسة ! لم أكن أرى أن القدر يخبئ لي كل هذاالشقاء والبلاء في ليلة واحدة !! ، واندفع بفتور صوب التلة لأنه لم يعد يأمل إحراز أي تقدم ، لقد أرهق كاهله السهر وحصار الثعابين له طوال اليل ... مد بصره في الأفق فلاحظ انحسار الظلمة إذ تبين الخيط الأبيض من الأسود من الفجر ، وأحس بقرب موعد الإصباح وانتابه شعور باليأس والقنوط !! فانحط أرضا علي جنبه وغرق في نوم عميق...

0 التعليقات:

بلدان الزوار

free counters

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م