الثلاثاء

المومس المتسلطة !... بقلم : المصطفي ولد محقوظ.


تلة بيضاء، تتواري خلفها مدينة جميلة يوحي نسيجها العمراني بأنها شيدت حديثا ،معظم شوارعها ضيـــــــــقة ما عدا شارع وحيد يقسم المدينة نصفين ويمثل قلبها النابض بالحيوية والنشاط ، تقع علي جنباته معظم المطاعم والمقاهي والملاهي الليلية الموجودة بالمدينة .
وفيما كنت أمشي علي رصيف الشارع الكبير إذ توقفت فجأة وكأن شيئاما استوقفني ثم قررت متابعة السير ونظرت بجانبي فوقع بصري علي ذلك المطعم المزين بعناية وفي فنائه تراءى لي شخص جالس علي أحد الكراسي الخشبية المرتبة حول موائد الأكل فتوجهت نحوه إذ لفت انتباهي حقا
شكل المطعم وطريقة تلميعه باللوحات الإ علانية المرصوفة علي واجهته من ناحية الشارع ودفعني الفضول إلي التوجه نحوه فلما اقتربت منه تبين لي أنه امرأة ولا يوحي مظهرها الخارجي بأنها عاملة المطعم ... ،تلكأت قليلا ثم خشيت أن يبدو علي ما يدعو إلي الاشتباه بي فقررت التقدم إليها ...
كانت تنظر إلي بتمعن وانتباه شديدين !.. ولا تفارق وجهها تلك الابتسامة المفعمة !!..، ابتدرتني بالقول :
ـ مرحبا تفضل بالجلوس !، أشكرك علي مجيئك هنا، كنت سأمضي وقتا مملا لو بقيت لوحدوي رغم جمال هذااليوم وفخامة هذا المكان المريح...، ثم دعت النادل وطلبت منه إحضار كأسين من عصير الليمون.. ، ولحد الساعة أنا لم أجد فرصة للكلام فقد كانت المرأة ثرثارة جدا وتتكلم كثيرا!، ومع ذلك بدت مرحة وساحرة الجمال رقيقة الطبع رغم شخصيتها القوية جدا !وأخيرا سنحت لي الفرصة وقلت :
ـ هل ..هل يمكنني التعرف عليك ؟
حملقت في وجهي قليلا ثم خفضت بصرها وقالت: أنت إذا لست من هنا أعني لست من أهل المدينة ؟ ..
وحضر النادل بكؤوسه مترعة بالعصير فسكتت وسحقت لفافة سكارة كانت تدخنها في المنفضة ثم دفعت إلي بأحد الكؤوس دون أن تتكلم حيث ساد الصمت بيننا لبضع ثوان .. ، ثم قالت مستأنفة: إذن مادمت غريبا علي هذه المدينة أنا أدعوك لتصحبني إلي منزلي الخاص لنتعرف علي بعضنا... قالت ذلك بنبرة تشبه إصدار أمر واجب التنفيذ!، وعندها أحسست بشعور غريب ثم رددت قائلا:
ـ لابأس ، سوف أمضي معك ولكن سأمر بمحطة القطار لأحجز مقعدا لأنني أنوي السفر هذه الليلة .. ،دفعت إلي بقصاصة ورق صغيرة بها رقم الهاتف وبعض التفاصيل المتعلقة بعنوان المنزل ثم نهضت خارجة من المطعم ... ، وقبل أن أترك مكاني التحق بي النادل مهرولا وابتدرني بالقول:
ـ هل تعرف هذه المرأة ؟
ـ قلت : لا!، أنا غريب هنا ،جئت لحاجة خاصة ولا أعرف أحدا في هذه المدينة !
ـ هزالنا دل رأسه برفق ثم نظر في وجهي مبتسما كالمشفق علي وقال :هذه المرأة مومس متسلطة!‘ لهاشخصية غريبة جدا تحب التسلط علي البشر وتمارس بيع الهوى للشخصيات السامية في الدولة من وزراء وكبار رجال الشرطة وضباط الجيش ولها نفوذ واسع في هذه المدينة، لا يمكن لأحد أن يخرج عن سلطتها
وإذا حاول ذلك فسيكون مصيره السجن أوربما قتلته !! ... ، ولكن هل طلبت منك شيئا ؟
ـ نعم إنها طلبت مني أن أصحبها إلي منزلها، فما ذا تراها تفعل بشخص غريب مثلي ليس له شأن ؟
ـ هز النادل رأسه مبتسما ابتسامته المعتادة ثم قال: إنها تقوم بذلك لتعرف إذا كان الشخص من أهل المال أو السلطة فتجعله من زبنائها لأنها بجمالها الساحر ورقة طبعها ستوقعه في شراكها حتما ! ، وإذا كان شخصية عادية تحاول أن تستخدمه ليكون من عيونها علي الناس !! ، فخرجت من المطعم وقد تهيأت الشمس للغروب وملأت الأفق بلون أشعتها الحمراء ! وأخذت المصابيح علي شوارع المدينة في الإضاءة قبل حلول الظلام ...
كنت حائرا أقول في نفسي : هل أحاول الهرب أم أعود إلي تلك المومس اللعينة ! ، حتى لا أتعرض لمكروه إذا لم أتمكن من الهرب .. ، وعند باب المطعم صاح علي النادل وقال: لا تذكر أنني حدثتك بشيء! .

1 التعليقات:

يحيى ولد البيضاوي يقول...

أسلوب ممتع وأفكار متسلسلة بشكل جذاب ومبدع ، قد أمتعت يكاتبنا الجميل .
واشكر الموقع المحترم على وابارك له مسيرته .

المدينة المنورة
يحيى ولد البيضاوي

بلدان الزوار

free counters

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م